مدونة حان وقتها
عندما كنت أعيش في شيكاغو وكنت أذهب كل يوم أحد إلى جامع الـICC قصت علي سيدة نمساوية مسلمة متزوجة من عضو في الجامع مهاجر من ألبانيا قصت علي القصة التالية.
قالت “أنا وزوجي نسافر كل صيف إلى أوروبا فنزور النمسا وألبانيا وتركيا، وفي يوم ونحن خارجان من جامع في استامبول بعد أن صلينا فيه رأيت رجلاً عجوزًا ضعيف البصر يبيع صواني معدنية مشغولة باليد. أعجبتني صنية فسألته عن ثمنها، قال “كذا”، فدفعت له أكثر من ثمنها وقلتله “احتفظ بالباقي”. غضب الرجل العجوز ضعيف البصر وقال “أنا لا أشحذ، هذا هو ثمنها، ولن آخذ إلا ثمنها”.
كانت تقص السيدة النمساوية هذه القصة كدليل على اعتزاز الأتراك بأنفسهم.
وبعدما عدت لأعيش في القاهرة كثيرًا ما تذكرت هذه القصة وتسائلت “هل أجد الآن بين التجار المتجولين من يتصرف مثل تصرف هذا الرجل العجوز؟”
عندما عدت إلى مصر منذ أكثر من عشر سنوات لاحظت التغيير النفسي الذي طرأ على المصريين فأصبحوا أكثر اكتئابًا، وأقل عزة النفس، وأكثر أنانية وأكثر مادية. وتفكرت في هذه الباقة من الصفات المترابطة: هل سببها الفقر؟
ولكني تراجعت عن فكرة أن يكون سبب هذه الصفات هو الفقر، صحيح الفقر يمكن أن ينتج الاكتئاب والأنانية وقلة عزة النفس والمادية، ويكسر البني آدم، ولكن هذا إذا كان الفقر مدقع ويمنع عن البني آدم أساسيات الحياة من أكل ومأوى، أما دون ذلك، فلا يكسر الفقر إنسانًا طالما تمتع بأساسياته، ولكن ما حدث هو أن الإعلام، والبترو دولار، والثقافة الجديدة، كل هذه العوامل حولت في نظر المصري ما هو غير أساسي إلى أساسي فأصبح يشعر أنه ناقص أساسياته، وانكسر، واصبح أكثر أنانية، وأكثر اكتئابًا، وأكثر مادية، وأقل عزة نفس.
ما أهمية عزة النفس؟
من يعتز بنفسه اعتزازًا حقيقيًا لا يكذب، ولا يتصرف تصرفًا مشينًا، ويتواصل مع عمله فيتقنه ليعتز به. من يعتز بنفسه يدافع عنها وأيضًا يدافع بقوة عن معتقداته، أما من لا يتعز بنفسه فهو مستعد أن يجد العذر لجلاده، وليست عنده القوة أو النخوة للدفاع عن معتقداته.
كنت في مصر وقت الانتخابات الرئاسية الأخيرة. كنت إذا سألت الناس هل سينتخبون، يقولوا “لن ننتخب لأن الانتخابات ليست نزيهة وصوتنا ليس له قيمة”، فأقول “وإذا كانت هناك غرامة؟” يقولون “سننتخب”، فأسأل “من؟” يقولوا “مين غيره؟ سننتخب مبارك” فاسأل “هل أنتم راضين عن أدائه لذلك ستنتخبوه؟” يقولوا “لا، لكن إللي تعرفه أحسن من اللي ما تعرفوش، ده أقل ما فيها ملأ جيوبه”!!
كنت أتعجب عندما أسمع هذا الكلام من المتعلم، والأمي، والغني والفقير. على ماذا يدل هذا الكلام؟ يدل على أن الشعب أضاع اعتزازه بنفسه، وأنه مستعد أن يتواصل مع جلاده، وكنا نرى آثار عدم الاعتزاز بالنفس في الشوارع القذرة، والقمامة المتراكمة، والكل يرمي النفايات من شبابيك السيارات، ولا يفهم أن هذا إعلان صريح وواضح بعدم الاعتزاز بالنفس.
ثم جائت الثورة وفرح الشعب بها لأنها ردت له كرامته، فخرج ينظف الشوارع، ويرسم الحوائط بالصور والألوان، ويؤلف الأغاني، وكلها دلائل أنه بدأ يسترد إعتزازه بنفسه.
ولكن كانت هناك فئة قد تعودت أن تستمد قوتها من شعب منزوع الاعتزاز بالنفس، شعب يطاطئ ولا ينظر لجلاده في عينيه، شعب مكتئب، شعب مذلول، فعملت بمنهجية على أن تقتل الثورة، فكان ماسبيرو، ومحمد محمود، ورئاسة الوزراء، والقصر العيني، وسمعنا عن تصرفات مرضية وفي غاية الوحشية وقتلوا شباب الثورة، ومن لم يقتلوه لفقوا له التهم ويحاكم أمام المحاكم العسكرية.
غدا مليونية الحرائر، وفي الصفحة الأولى من جريدة الشروق هناك خبر أن حزب الحرية والعدالة يبحث عن مستثمرين أتراك لحل أزمتي المرور والقمامة. تفكرت في هذا الخبر. حزب الحرية والعدالة رأى النظافة في تركيا فقال “أريد من هذا الصنف”. لم يغوص في أسباب المشاكل، فكما رأينا القمامة مشكلة مركبة تعبر عن مشكلة تحتية تتصل بثقافة المجتمع، وباعتزازه بنفسه، فمن خمسة عشر سنة كان الفساد متفشي في تركيا، ولم يكن المرور أو النظافة في صورة مثالية، ولكن كان هناك من كان يحتفظ بكرامته، ويرفض البقشيش، مثل بائع الصواني العجوز، فاستطاعوا أن يتقدموا ويزيلوا القمامة وينظفوا الشوارع، ولكننا في مصر قد رأينا الشعب لا يهتم بنظافة شوارعه لأن الحكومة عاملته بوحشية وانتزعت منه إنسانيته.
ستأتي الشركة التركية وستزيل القمامة، كما عملت من قبل الشركة الاسبانية، وغيرها من شركات النظافة، ولكن الشعب الذي أضاع اعتزازه بنفسه سيرمي القمامة مرة أخرى في الشارع، وسيرمي النفايات من شبابيك العربات، فقد أأأوصلناه إلى حالة عدم الاهتمام.
وأتمنى أن يعي حزب الحرية والعدالة البعد الثقافي للمشاكل، ولا يعاند كما عاند من حكموا قبله.
وهنا قالت شهرزاد “لا أتكلم في السياسة أو الدين، ولكن أتكلم في الثقافة والتعليم”، ثم سكتت عن الكلام المباح.
د. سهير الدفراوي المصري

Leave a Reply