السلفية والستريبتيز
في يوم ما وأنا طالبة دكتوراة في الولايات المتحدة الأمريكية كنت أنا وطالب مصري آخر، وبعض طلبة الدراسات العليا الأمريكيين، نتناقش مع أستاذنا د. جلبرت مانيرنج في أمور الشرق الأوسط، قال لنا: “ماذا أصاب العرب؟ لماذا هم مهووسون بالجنس وجسد المرأة؟ هناك أشياء أخرى في الحياة غير الجنس وجسد المرأة، هناك أكل وشرب وأفكار وثقافات وفن. لماذا هذا الهوس؟”.
“إذا قلت لكم لا تفكروا في الفيل الأبيض، ماذا سترون أمام أعينكم؟ مما لا شك فيه أنكم سترون فيلاً أبيضً، هذا شيء طبيعي، ومعروف عند علماء النفس، وهذا ما حدث للعرب. من كثرة ما وضعوا عراقيل وتابوهات على فكرة الجنس وجسد المرأة أصبحت هذه الأشياء هي شغلهم الشاغل، ولم تترك فرصة لأي موضوع آخر أن يحظى باهتمامهم، لا علم، ولا ثقافة، ولا فن، لا شيء إلا الجنس وجسد المرأة”.
ثم استطرد أستاذي: “ماذا تعرفون عن شواطئ العراة، هل رأيتم شواطئ العراة؟” لم يكن أحد منا قد رأى شاطئ عراة، ولم تكن عندي شخصيًا أي اهتمام أن أزور هذا النوع من الشواطئ، وأكمل كلامه: “عندما تزورون شاطئ العراة تنتابكم دهشة لأول وهلة لكل هذا العري، ولكن سرعان ما تتعودون عليه، ولا تنظرون إلى العري باهتمام، بل أتذكر عندما زرت شاطئ عراة أنني أخرجت كتابي من حقيبتي وأمضيت الوقت أقرأ”.
لا أستطيع أن أوافق أستاذي في الدكتوراة على أفكاره بخصوص شواطئ العراة، فهذه أفكار رجل أمريكي كبير السن، ولكن أفهم أنه كان يريد أن يصدمنا بقوله أن البني آدم يتعود حتى على منظر العراة في شاطئ العراة، وأن التركيز بالنفي على أي شيء مثل القول: “لا تفكر في الفيل الأبيض”، أو لبس النقاب أو تحريم مصافحة المرأة، أو اعتبار صوتها عورة، كل هذه الممنوعات تركز على المرأة وعلى جسدها، وتجعل الناس مهووسين بالمرأة وبجسدها، لذا أجد في كلامه كثيرًا من الحق لأن منع الشيء يجعل الإنسان لا يفكر إلا في هذا الممنوع.
وتذكرت كلام أستاذي وأنا أقرأ قصة المجرم الذي كان يذهب إلى الشيخ السلفي المعاق في منزله ليتعلم منه القرآن فحفظه الشيخ ثمانية أجزاء من القرآن، وفي كل مرة يذهب للشيخ كانت زوجته تفتح له الباب وهي منتقبة، وذات مرة رآها دون نقاب، وعندما رأى وجهها دون نقاب نوى في هذه اللحظة أن يعتدي عليها في يوم من الأيام.
وفي يوم جاء إلى الشيخ ليحفظه القرآن، وهجم عليه وقتله، ثم دخل على الزوجة في حجرة النوم واعتدى عليها جنسيًا ثم قتلها، وعندما قبضت عليه الشرطة اعترف أنه عندما رأى وجه زوجة الشيخ السلفي قرر أنه يجب أن يعتدي عليها!
قصة مفزعة في شراستها، ولكنها تعطينا مادة للتفكر.
لماذا قرر المجرم أن يعتدي على زوجة الشيخ عندما رأى وجهها؟ هل كان جمالها دون مثيل؟ لقد رأيت صورتها في الصحف، وربما لا أرى أن جمالها يجعل رجلا يذهب برجليه إلى حبل المشنقة، ولكن هذا رأيي أنا وليس رأي المجرم، فربما كان يرى أن جمالها يستحق أن يقتل نفسه، ولكن الأرجح من الناحية النفسية أن زوجة الشيخ السلفي دون أن تدري لعبت لعبة الستريبتيز مع قاتلها.
عندي مدرسات منتقبات وغير منتقبات يقمن بتدريب الأطفال على برنامج “أنا ونحن”. ألاحظ أن المنتقبات يتعاملن بحرية أكثر مع الأطفال، ويقمن بأداء دورهن أحسن قيام، ولكني ألاحظ أيضًا أن الإحساس بالحرية عندهن يأتي من أنهن يتحصن خلف النقاب ولسان حالهن يقول: “أنا حرة في دنيتي، أنا أراكم وأنتم لا ترونني”.
يخيل لي أن ما حدث للمجرم أنه كان يرى زوجة الشيخ السلفي من وراء النقاب فكانت تداعب خياله دون أن تدري، لأن النقاب كما رأينا يركز الفكر على جسد المرأة، كما في قول: “لا تفكر في الفيل الأبيض” يجعلك لا تفكر إلا في الفيل الأبيض، وعندما رأى المجرم وجه زوجة الشيخ كان هذا مثل راقصة الستريبتيز التي تبدأ رقصتها وهي مغطاة، فتشوق المتفرجين السكارى في الكباريهات إلى رؤية ما وراء غطائها، ثم تخلع قطعة واحدة من ملابسها، ويصيح الرجال المتفرجون من الشهوة، وتخيلهم لما لايزال وراء غطاء الراقصة يهيجهم.
عند المجرم كمية من عدم الاتزان النفسي تجعله يشبه هؤلاء السكارى، وتجعله يستطيع أن يتخطى بسهولة نقطة عدم الرجوع، فعندما يرى زوجة الشيخ دون نقاب، هذا المنظر الذي يستطيع أن يتعامل معه الفرد السوي، يخرجه عن طوره ويهيجه جنسيًا فيقرر أن يعتدي عليها.
من المؤكد أن هذا فكر همجي تخلقه الظروف التي تحيط به في أناس سكارى أي غير أسوياء، ويشرح لنا فكر هذا المجرم الذي يرى الآلاف من السيدات غير المنتقبات في الشارع وفي كل مكان ولكنه عندما يرى منتقبة دون نقاب يخرج عن طوره.
تحليلي هذا لا يهدف إلى عدم احترام المنتقبات، فأنا أحترم حقهن في حرية اختيار ما يردن أن يلبسن، وكما كتبت أعلاه فكثير من المنتقبات يقمن بأحسن تقديم لبرنامج “أنا ونحن”، ولكني تعودت عندما أرى شيئًا يستحق التحليل أن أسلط الضوء عليه. وقد رأيت أن تصرف هذا المجرم تصرف يستحق أن نتوقف عنده ونتفكر فيه، وأن نتفكر في نتيجة الممنوعات والنقاب والفيل الأبيض.
وهنا قالت شهرزاد: “كفانا كلامًا في هذا الموضوع الكئيب”، وسكتت عن الكلام المباح.
د. سهير الدفراوي المصري

Leave a Reply