الصفحة الرئيسية » “العين صابتني ورب العرش نجاني”

“العين صابتني ورب العرش نجاني”

كنت أقود سيارتي وراء مايكروباس كتب عليه “العين صابتني ورب العرش نجاني”.

تأملت ما قرأت وتفكرت فيه، وحاولت أن أفهم عقلية من كتب هذا.

لماذا كتب صاحب المايكروباس هذه المقولة؟

أولاً: هي مقولة تتمحك في الدين، فمن كتبها يقدمها كدليل على تمسكه بمعتقداته الدينية، فنحن شعب ترعرع فيه الدين منذ آلاف السنين ووصل إلى نخاعه، شعب ولدت فيه ديانة الإله الواحد، والآن في عصر الصحوة الدينية التي اجتاحت العالم كله نجد الكثيرين يتباهون بمظاهر التدين بدءًا من الزبيبة في الجبهة واللحية غير المهذبة، إلى تلاوة القرآن في محال السوبرماركت حيث لا ينصت إليه الكثير المنهمكون في التسوق، ونجد المقولات الدينية في كل مكان.

ثانيًا: هو يقدمها كدليل على أن: “الناس يحسدونني ولكن الله معي وينجيني من حسدهم، طبعًا لأنني الخير، وهم الشر”، وفي باطن هذه الأفكار هناك معتقد أساسي: “أنا مفعول به، ليس لي يد فيما حدث لي من العين التي أصابتني، وأيضًا ليس لي يد فيما نجاني منه رب العرش”.

تفكرت فيما توصلت إليه: هذا شيء خطير أن يشعر الفرد أنه غير متحكم فيما يحدث له، هو مفعول به، ليس عنده إحساس بالتمكين، فوجدت أن الإحساس بالمفعول به موجود إلى حد كبير في مجتمعنا، وثقافتنا مليئة بالأمثلة الشعبية التي تربي في أولادنا الإحساس بعدم التمكين، فنحن نعلم أولادنا أن يسيروا بجانب الحائط حتى ينجوا بأنفسهم، وأن عليهم أن يتقبلوا وضعهم كما هو، ولو اضطرتهم الظروف أن ينافقوا ليصلوا إلى هدفهم فالمفروض أن ينافقوا: “إذا كان لك عند الكلب حاجة قل له ياسيدي”، ثقافة تطلب من المرأة أن تتقبل كل مذلة حتى تبقى في”ظل راجل ولا ظل حيطة”، ثقافة تطلب من الشعب أن يطيع الحاكم ولا يثور عليه حتى ولو كان فاسقًا.

تساءلت ما سبب هذه الثقافة؟

ربما نكون قد توارثناها عن أجدادنا، وربما تكون نتيجة عدم التمكين الذي عاشه الشعب تحت أنظمة استعمارية لآلاف السنين، أو أنظمة ديكتاتورية وأحكام طوارئ في الوقت الحالي، وربما يكون النظام القبلي هو السبب حيث ترتقي القبيلة أو المجموع على حساب الفرد، فيتعود الفرد أن يشعر بعدم التمكين، ويتعود أن يشعر بحال المفعول به.

لا أعرف.

على كل حال، نحن كشعب نمتلك أمثلة تشجع على عدم التمكين وتقبل الوضع الحاضر، أكثر من شعوب أخرى عاشرتها، وثقافتنا تشجع أن نبقى مفعولاً به، وحتى عندما نكون فاعلاً ونقوم برد فعل لا يكون عملنا من منطلق حر، ولكننا نتصرف ونحن محكومون بنوعية التحفيز الذي وصلنا، فكثيرًا ما نسمع “هو استفزني، فضربته”، أو “هي استهزأت بي فكان لازم أشتمها”، وكأن هناك حتمية بين الاستفزاز أو الاستهزاء، والضرب أو الشتيمة، ويربى الفرد على هذه الحتمية، فيشعر أنه ليس عنده الحرية في التصرف. هو محكوم بنوعية التحفيز الذي يصله من الآخرين. هذا نوع آخر من عدم الحرية، من عدم التمكين نتربى عليه من الصغر.

نحن في “مؤسسة الثقافة والتعليم للطفل والعائلة” قد اهتممنا بموضوع تمكين الطفل، ونعلمه ألا يكون مفعولاً به، فنسأله أسئلة كثيرة، ونناقشه ونتعرف على رأيه حتى نربي فيه الإيجابية والتمكين. كذلك، نعلمه ألا يربط نفسه بتصرفات الآخرين، فنقول له: “اعمل حول نفسك سياجًا شفافًا مساميًا لا يسمح لكل الكلام أن يخترقه. إذا قال لك طفل “أنت غبي”، لا تسمح لهذا الكلام أن يخترق مسام سياجك قبل أن تفحصه، وعندما تفحصه قد تكتشف أنه كلام من منطلق الغيرة، فلا تسمح له أن يخترق السياج ويضايقك، ولكن إذا فحصته واكتشفت أنه إهانة فاسمح له أن يخترق السياج وتصرف بناءً على ما يمليه عليك عقلك، فأنت سيد نفسك، تتحكم فيها”.

وهنا قالت شهرزاد: “إنه لأمر في غاية الأهمية أن نزرع في أولادنا الإحساس بالتمكين”، وسكتت عن الكلام المباح.

د. سهير الدفراوي المصري

Leave a Reply

Your email address will not be published.