عادل إمام والتنمية
في أوائل عام 1994 بعد الكثير من المفاوضات مع أماكن العرض الفني المهمة في مدينة شيكاغو وافق مركز شيكاغو الثقافي Chicago Cultural Center المرموق أن نعرض فيه المعرض التشكيلي للفنانات العربيات Forces of Change Women Artists of the Arab World وهو المعرض الذي كان قد أنهى شهرين من العرض في مدينة واشنطن في الـ Women’s Museum، وكنا نعده للعرض في أي مدينة كبيرة في الولايات المتحدة.
وقفت في حفل لكبار رجال أعمال مدينة شيكاغو وأعلنت عن مجيء معرض الفنانات العربيات، وفي دقائق كنت محاطة بنصف دستة سيدات يهوديات يقترحن علي أن أجعله معرض سيدات الشرق الأوسط بدلاً من السيدات العربيات، وأن يجمع فن الفنانات الإسرائيليات مع الفنانات العربيات، وأنهن يستطعن المساعدة في عرضه بتكاليف بسيطة في متحف سبرتس Museum Spertus، وهو متحف الفن اليهودي في شيكاغو، ولكني اعتذرت بلباقة قائلة: “هذه المرة سنقدم فن الفنانات العربيات والمرة القادمة إن شاء الله نقدم فن فنانات الشرق الأوسط”، لأنني كنت أعرف أن الفن دلالة الإنسانية والتحضر وكانت هذه فرصتنا أن نقدم فيها لسكان مدينة شيكاغو دليل إنسانية وتحضر العرب.
ونحن كنشطاء عرب في المهجر كنا على دراية بدور الفن في إظهار الناحية الإنسانية للشعوب، فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يتفنن، وتسعى كل الشعوب أن تظهر صفاتها الإنسانية، وتظهر أنها تقدر الجمال والفن، لأنه إذا أظهر شعب أنه غير قادر على تقدير الفن فسيُنظر إليه كناقص إنسانية، وسيستطيع أعداؤه أن يسيئوا معاملته دون أن يحتج العالم المتحضر على هذه المعاملة لأن العالم المتحضر سيراه أقل من إنسان، أو “ليس منّا”، فلا يطبق عليه قوانين معاملة الإنسان.
لذا اتعجب أن المسلمين أنفسهم وليس أعداؤهم هم من يظهرون المسلمين وكأنهم أقل إنسانية من الشعوب الأخرى، فأتعجب للحرب على الفن التي تقوم بها الجهات الإسلامية المختلفة، بدءًا من طالبان الذين نسفوا تمثال بوذا في أفغانستان، إلى السلفيون الذي غطوا تمثالاً فنيًا في الاسكندرية، إلى الحكم بالسجن على عادل إمام بتهمة إزدراء الأديان في فنه.
أبدأ أولاً بالاعتراف أنني لا استلطف عادل إمام، فأنا لا أكتب دفاعًا عنه شخصيًا. وأيضًا لا أكتب دفاعًا عن مبدأ حرية التعبير في الفن مع أنني من أنصار مبدأ حرية التعبير في الفن، لأن من ينسف تمثالاً أثريًا، أو يغطي تمثالاً فنيًا لن يفهم مبدأ حرية التعبير.
أكتب لأنه لا يجب أن نُخضع الفن للقوانين العادية. الفن، والجمال والدين هم نتيجة قدرتنا على التفكر، ودليل إنسانيتنا، ولكل منهم مملكته وقوانينه: عندما ننظر إلى لوحة فنية من عصر النهضة الأوروبية تظهر فيها نساء عاريات، أو ننظر إلى تمثال لميكل أنجلو يظهر رجلاً عاريًا نحن لا ننظر إلى هذه اللوحات أو هذا التمثال كعمل إباحي، وكأنه صورة في مجلة إباحية، بل إنسانيتنا تساعدنا أن نتجاوز هذه النظرة السطحية وننظر إلى ما تعبر عنه هذه الأعمال من فن. بإنسانيتنا نستطيع أن نغوص في معنى ما نراه لأننا نستطيع أن نتفكر، أن نرى الفن والجمال والدين والروحانية، ونتأثر بهم.
وبالمناسبة فإن القدرة على الغوص في الأشياء والتفكر فيها هي صفة إنسانية تكتسب بالتمرين، مثلها مثل صفاتنا الإنسانية الأخرى مثل التفكر في الجمال، وفي الروحانية والدين.
أما إذا أصررنا ألا نرى في هذه الأعمال غير صورتها السطحية من نساء عاريات، أو رجل عار، أو نعتبر الفنان الذي يستهزئ بتصرفات مسلمين أنه يستهزئ بالإسلام، فلا نلوم إلا أنفسنا إذا اعتبرنا العالم المتحضر “لسنا منه”، وأقصينا منه ودفعنا ثمن هذا الإقصاء.
فما أكتب عنه اليوم هو حرية التعبير، ولكن ليس كمبدأ يجب الدفاع عنه، بل كمقدرة من مصلحتنا التنموية أن نحافظ عليها حتى لا نُنفى خارج المجموعة الإنسانية فندفع ثمن هذا الإقصاء. فمصلحتنا التنموية كعضو فعال في المجتمع العالمي، وليس كعضو ناشز فيه أن نحافظ على حرية التعبير، وعلى صفاتنا الإنسانية من تفكر وما ينتج عنها من تقدير للجمال، والفن، والروحانية والدين.
وهنا قالت شهرزاد: “لا ننس صفاتنا الانسانية”، وسكتت عن الكلام المباح.
د. سهير الدفراوي المصري.

Leave a Reply