أفكار للدستور الجديد
في الفترة الماضية عاصرنا زوبعة كبيرة في الإعلام سببها من يسعون إلى تغيير المادة الثانية من الدستور ومن لا يوافقون على التغيير. لكنني أرى أن هناك موضوعًا لا يقل أهمية، وربما يزيد، ولكننا لا نلتفت إليه، وهو موضوع المال وكيف يشتري المال المقاعد الانتخابية بطريقة قانونية عن طريق استعمال الدعاية المفرطة والإعلام، وكثيرًا ما تساعده في ذلك شركات العلاقات العامة العالمية التي تتخصص في كيفية غسيل مخ الشعوب.
وينتج عن هذا الإفراط في الدعاية والإعلانات أن ينتخب الناخبون المرشح صاحب أكثر وأفضل دعاية، والافضل ظهورًا إعلاميًا، أي المرشح الذي يتحكم في أكثر كمية من المال. وهذه الملاحظة تتوافق مع ما قاله وزير إعلام هتلر، الذي قال منذ أكثر من نصف قرن ما معناه أنك إذا رددت كذبة كثيرًا تستطيع أن تجعل الناس يصدقونها. وبالتالي، ينتج عن ذلك، أن من يُنتخب حاليًا في كثير من البلاد الديموقراطية هو المرشح الغني وليس المرشح الأكثر كفاءة. نرى هذا في الولايات المتحدة الأمريكية وفي بلاد أوروبا الشرقية التي تحولت إلى الديموقراطية.
خطر نتيجة هذا النوع من الانتخابات الديموقراطية التي يغذيها المال المفرط ليس فقط لأنها لا تساعد على انتخاب المرشح الأكثر كفاءة، ولكن لأنها تأتي بالمرشح الأكثر مديونية مادية ومعنوية لمن ساعدوه بالمال أو بغيره ليصل إلى مكانته. فإذا كان قد صرف على حملته الانتخابية من أمواله الخاصة فسيضطر أن يعمل على استرجاع الملايين التي أنفقها، وفي هذا الطريق ينزلق إلى الفساد، أما إذا كان استند إلى أموال المجموعات الكبيرة التي تبرعت لانتخابه فسيصبح أداة في أيديهم، ويشرع لمصلحتهم وليس لمصلحة البلد، وهذا ما نراه في الكونجرس الأمريكي الذي يصبح مديونًا لرجال أعمال وول ستريت، وكثيرًا ما يظهر في قراراته تحيزه تجاههم، كذلك، هو مديون لأغنياء أمريكا الذين يساندون إسرائيل، والبعض يقول تندرًا على هذه العلاقة أن اللوبي الإسرائيلي قد اشترى الكونجرس الامريكي ودفع ثمنه.
أما في بعض بلاد أوروبا الشرقية التي تحولت آخر القرن الماضي إلى الديموقراطية ولم يكن عندها المؤسسات والجمعيات المدنية التي تساند الديموقراطية وتشرف عليها، فقد مرت هذه البلاد بفترات انتقالية تحولت فيها ثروات البلاد إلى المليونيرات الجدد اصحاب القيم المشبوهة، وبعضهم استعمل ماله الطائل، وبمساعدة من شركات العلاقات العامة ليصل إلى البرلمان والحكم، كما هو الحال في أوكرانيا.
وترعرعت المشكلة في الولايات المتحدة الأمريكية، فحكم قضائي من المحكمة العليا في 2010 أنتج ثغرة قانونية فتحت الباب على مصراعيه لمن عنده المال ويريد أن يشتري دون حساب إعلانات انتخابية لمرشحه المفضل (فالمحكمة اعتبرت الإعلانات التلفزيونية المدفوعة من غير المرشح حرية تعبير وليست إعلانات!!)، فرأينا المليارديرات، الاخوان كوخ، وأدلسون يدفعون عشرات الملايين الدولارات لإعلانات لمت رومني، فيساعدونه في شراء كرسي الرئاسة الأمريكية الذي اصبح في هذا الوضع للبيع. وماذا عن مصر؟
تحكم المال في الانتخابات عن طريق الدعاية والاعلام وشركات العلاقات العامة يأتي لمصر بكثير من الضرر، أولاً لأن الشعب فقير، وقليل التعليم، ويمضي وقتًا طويلاً أمام التلفزيون ويتاثر به، ثانيًا، مصر محاطة ببلاد فاحشة الثراء تستطيع إن أرادت أن تغرق الانتخابات المصرية بمالها وتؤثر عليها، ثالثًا، فساد عهد مبارك قد جعل المال يتمركز في أياد غير أمينة ستحاول أن تستعمل هذا المال لترجع مرة أخرى إلى حلبة السلطة.
فما العمل، إذًا؟
لقد رأينا في الدانمرك كيف أن ثلثي البرلمان يتكون من التربويين أو من كانوا تربويين، وهم ليسوا من الأغنياء، وأرجعنا سبب ذلك إلى الدرجة العالية من التعليم في الشعب الدانمركي، وإلى تحجيم دور الإعلام عن طريق فرض ضرائب على أجهزة التلفزيون وعلى الاستقبال عن طريق الدش، ووقف الإرسال المحلي في نصف الليل.
ورأينا في انجلترا كيف أن الدعاية في الشوارع والتلفزيون ممنوعة، وأن أجهزة التلفزيون ترخص، وأن البي بي سي، وهي القناة الحكومية الحرة، تعطي أوقاتًا متساوية للمرشحين يشرحون فيها آراءهم تجاه الأمور المختلفة.
ماذا اقترح؟
لن نستطيع من يوم وليلة أن نغير الشعب المصري من حيث الفقر، والتعليم، والوقت الذي يمضيه أمام التلفزيون، ولن نستطيع في الوقت الحاضر أن نفرض ضرائب على أجهزة التلفزيون، ولكننا نستطيع أن نقنن دور المال، والدعاية والتلفزيون في العملية الانتخابية، فأقترح:
- أولاً، أن تمنع الدعاية الانتخابية عن طريق الوسائل المكتوبة، والمسموعة، والمرئية، بما فيها اللافتات، والراديو والتلفزيون، والمجلات والجرائد، وبما فيها الدعاية الصريحة المباشرة، وغير المباشرة عن طريق التغطية الإعلامية لندوات انتخابية، أو عن طريق برامج تعليمية، او إخبارية.
- ثانيًا، أن تقتصر الدعاية على برامج نقاشية تقدمها القنوات الحكومية بالتعاون مع القنوات الحرة، يناقش فيها المرشح افكاره، وتتعهد القنوات التلفزيونية، حكومية كانت أو حرة أن تعطي وقتًا لجميع المرشحين متساويًا من ناحية عدد الدقائق، ومن ناحية وقت الإذاعة، وطريقة التقديم.
- ثالثًا، أن تكون هناك قوانين واضحة ورادعة لما يصرف من مال في الانتخابات، ومن أين يأتي المال، وتكون هناك حسابات أمينة لذلك،
- رابعًا، أن تشرع قوانين وتكون رادعة إذا لم يطبق القانون،
- خامسًا، أن ينص الدستور على هذه القوانين، ولا ننتظر أن يشرعها المجلس الذي سيأتي فيما بعد لأننا لن ننتظر ممن سيأتون في الانتخابات القادمة أن يشرعوا لتحجيم دور المال، لأن المال يكون قد لعب دورًا كبيرًا في انتخابهم. لذا يجب أن تظهر هذه التشريعات في الدستور الآن.
وهنا قالت شهرزاد “أنا لا أحب أن أتكلم في السياسة، ولكني لا أريد أن أرى في مصر ما يحدث في أمريكا”، وسكتت عن الكلام المباح.
د. سهير الدفراوي المصري.

Leave a Reply