الصفحة الرئيسية » إلى وزير التعليم: الإجابة النموذجية

إلى وزير التعليم: الإجابة النموذجية

بعد عودتي إلى مصر كنت أتناقش مع حامل شهادة دكتوراة في موضوع علوم إنسانية قريب من اختصاصه، فوجدته يقدم لي حججًا لما يقول ويؤكد بثقة تامة أن السبب هو 1و2و3و4.

أذكر أنني استغربت من ثقته أن السبب هو 1و2و3و4، وليس 1و2و3و4،5  أو1و2و3، وقلت لنفسي “هل هو يُسمع ما حفظ؟”، وخزنت هذه الملاحظة في ذهني على أنها شيء لا أفهمه.

وبمرور الوقت وجدت أن هذه ليست حالة فريدة: فالناس كثيرًا ما تُسمع معلومات حفظتها!! المعلومات في ذاكرتها معروفة ومنمرة ومُتأكد منها! هناك ثقة تامة في المعلومات. هذه الثقة التامة كانت غريبة علي.

لقد عشت في مجتمع لم ألاحظ فيه ظاهرة الثقة التامة في المعلومات، وعندما كنا نتناقش كانت ثقتنا في معلوماتنا نسبية . ثقة قد تزيد أو تنقص نتيجة للمناقشة، فمثلاً إذا كنا نتناقش في حل للتعليم، وكنت أثق بنسبة 80% في الحل الذي أقدمه، قد أجد بعد المناقشة أن ثقتي في الحل قد زادت إلى 90% أو قد نقصت إلى 40% وأصبحت لا أثق أنه أفضل حل.

ومع النسبية في الثقة في المعلومة كانت هناك مرونة في التعامل معها. ثقتنا فيما نعرف كانت ديناميكية وتتغير، وكنا لا نجد حرجًا من أن نعترف أننا لم نكن على حق أو أننا اقتنعنا بوجهة نظر الآخر. وأذكر أن مصر التي عشت فيها منذ 40 سنة لم تكن تختلف عن المجتمعات الأخرى.

بينما مصر الحالية هي التي ظهر فيها شيء مختلف.

ظهرت فيها فئة متأكدة من معلوماتها تأكدًا تامًا، وهي بالتالي لا تقتنع البتة برأي الآخر!!

ماذا حدث؟ 

وبدأت أدون ملاحظاتي من الردود التي كانت تصلني على المدونة، ومن معاملاتي مع شبابنا عن طريق المؤسسة، فبجانب الشباب المصري الذي نشتكي من فهلوته وعدم جديته، لاحظت فئة جديدة: شباب (وشابة واحدة)، مسلم، جاد، ذكي، كان مجتهدًا في الدراسة، متدينًا، لديه مثل عليا، يعتز بنفسه، وكثير منهم يعتقد أنه هو الوحيد الذي يفهم، يرى العالم من منظار أبيض وأسود، والأسئلة عنده لها إجابة واحدة هي إجابته لها.

بعد مقارنة هذه الصفات وصلت إلى تصور (أثق فيه بنسبة 85%!) أن ما حدث لمصر هو إلى حد كبير نتيجة نظام التعليم، فالأطفال منذ الصغر يذاكرون من كتب وملازم معلوماتها مضغوطة في بعض النقاط، وإذا حفظ الطالب عن ظهر قلب كل هذه النقاط وكتبها كلها في الامتحان، يكون قد توصل إلى الإجابة النموذجية، فيأخذ 100%، وإذا قام بنشاطات إضافية فممكن أن يتخرج بأكثر من 105%!

قارن هذا بالمدارس الفرنسية (الحقيقية، وليست اللغات الفرنسية) حيث يهنئك المدرس إذا حصلت على 65% في مادة الإنشاء لأن متوسط الفصل ينجح بـ55%! كذلك، أذكر أنني في أول سنتين في دراستي للدكتوراه في ولاية مينيسوتا وكنت أدرس العلوم الطبية مع طلبة الطب استغربت أن يعطونا إمتحانًا لنحله في 30 دقيقة، وهو مكون من عدد كثير من الأسئلة لن يستطيع أحد أن يقرأها، ولا أقول أن يفهمها ويحلها في 30 دقيقة، ولما استفسرت عرفت أن هذا الإعجاز مقصود لكي لا ينجح طالب الطب بأكثر من 80% حتى لا يصبح طبيبًا يغتر بنفسه ويعتقد أن عنده كل المعلومات!!

هكذا يفكرون، وهكذا نفكر.

الدكتور الذي قرأ مئات الصفحات، ودرس مئات الحالات يُطلب منه التواضع، ونحن نخلق أجيالاً لم تعرف أكثر من معلومات الملازم، فهي تعرف قليلًا، لا تقرأ لغات أجنبية وتحتقر كل ما هو غريب دون أن تحاول أن تفهمه، ومع ذلك، فثقتها تامة أن عندها كل المعلومات لأنها كانت تأتي دائمًا بالإجابة النموذجية، وهي لم تتعود أن ترى رأيًا آخر، فهي لا تتقبل الرأي الآخر.

وإذا لم تثقف هذه الفئة من نفسها في الحياة ولم تتعلم كيف تنظر إلى الأمور من وجهات نظر مختلفة بقيت ضحية لنظام تعليمي أصفه بالمجرم، شوه فئة واعدة ومهمة من مجتمعنا كان من المفترض أن يرعاها وينميها.       

وهنا قالت شهرزاد: “ربما هناك اسباب أخرى لظاهرة الثقة التامة بالمعلومات سنقدمها مستقبلاً”، وسكتت عن الكلام المباح.

د. سهير الدفراوي المصري

Leave a Reply

Your email address will not be published.