الصفحة الرئيسية » هي ديه مصر ياعبلة

هي ديه مصر ياعبلة

أسافر كثيرًا عن طريق مطار القاهرة الدولي، وفي بعض السنين أمر بالمطار أكثر من عشر مرات في السنة، ومعظم سفرياتي على الخطوط البريطانية لأن إبني الأكبر يعيش في لندن، وإبني الثاني كان إلى وقت قريب يعيش في شيكاغو، والآن لفترة ما سيعيش في دبي.

ويوم وقفة العيد منذ أسبوع كنت مسافرة على الخطوط الألمانية “لوفتهانزا” متجهة إلى فرانكفورت. ونحن في صالة الانتظار، بعد أن تعامل موظف شركة الطيران مع الحالات الخاصة (من معهم أطفال، أو من هم من كبار السن… إلخ)، نادى علينا، نحن الركاب، أن نكون صفين، أمام كل من 2 من موظفي الجوازات بدرجة صول، وأكد ألا يقف في الصفين إلا الركاب من رقم 38 إلى رقم 20.

وطبعًا كان هذا حفاظًا على النظام حتى تمتلئ الطائرة بدءًا من آخرها إلى أولها، وتسير الأمور فيها بنظام وبسرعة، فلا ننسى أن هذه خطوط ألمانية حيث النظام يحترم جدًا، جدًا.

وبدأ الموظف يسير بين الصفين ليتأكد بنفسه أن كل من يقفون في الصفين يحملون أرقامًا ما بين 38 و20، فوجد 3 شباب مكانهم في الصفين الثامن والإثنى عشر. طلب منهم أن يخرجوا من الصف، فحاول واحد منهم أن يقاوحه، ولكنهم رضخوا للأمر وخرجوا من الصف، وابتعد الموظف ليكمل مهمته، والشباب مازالوا يقتربون من الصف ونظرتهم تظهر عشمهم أن يرجعوا له مرة أخرى.

ما أن ابتعد موظف شركة الطيران إلا وشاور الصول على اليمين إلى الشباب وكانوا على اليمين أيضًا، شاور إليهم أن يدخلوا الصف، فدخل الشباب وهم يركضون، واختفوا.

قلت له بصوت عال وأنا غاضبة “هؤلاء لم يحملوا رقم بين 38 و20 فلم يكن من حقك أن تدخلهم في الصف”

قال كاذبًا “لا، رقمهم مضبوط”

قلت له مؤكدة “لقد رأيت الموظف وهو يخرجهم من الصف”

فتأكد أنني قد لاحظت ما حدث، وصوتي العال جعل الموظف الذي كان قد ابتعد إلى آخر الصف، جعله يلتفت تجاهنا، فاقتنع الصول ألا فائدة من المقاوحة والكذب، وغير تكتيكه:

“عايزة تدخلي؟ أدخلي!!”

صعقت!! إنه يرشيني!! يعتقد أنني أتعارك معه حتى يسمح لي أنا أيضًا أن أدخل الصف!!

قلت له “أنا لا أريد أن أدخل، أنا منتظرة دوري، ولكنني اتكلم عن النظام، هذا الموظف تعب نفسه ليكون فيه نظام…”

فدمدم: “مش ناقص إلا نسمع كلام موظف”

ومرة أخرى صعقت لكلامه. من وراء أي جاموسة وجدوا هذا الصول ليتعامل في مكان يوجد فيه سائحون؟

قلت له: “البلد مش حايتقدم طول مافيش نظام”، وفكرت بسخرية “من الواضح أنه لم يقرأ مدونتي عن أهمية النظام لتقدم الشعوب”.

هنا تدخل الصول الثاني الواقف على اليسار: “هو خلاص فهم”، وكأنه يأخذني على قدر عقلي.

كان يعني لي أن أسكت.

وفعلاً سكت. لم أجد فائدة من كلامي، فهما لا يفهمان ما أقول. أنا أتكلم لغة غريبة. لم يفكر الأول لثانية الاللثانية واحدة أن يعتذر لأنه قد سمح دون حق للشباب أن يدخلوا صف الركاب، فهو في الأصل لا يعرف أنه غلط في تصرفه أو لا يهتم إذا غلط! وككثير مثله، حتى إذا شعر لثانية أنه قد غلط في تصرفه فهو لن يعتذر، فالاعتذار إهانة لا يتقبلها، فبدأ بالكذب، والمقاوحة، وعندما لم ينفعـا تحول إلى الرشوة، ثم استهزأ بعمل موظف شركة الطيران الذي يقوم بعمله خير قيام، وكان من المفروض أن يساعده في عمله وفي النظام، وما زاد الطين بلة أن الصول الآخر أيضًا كان يشاركه نفس الأفكار، فظهر لي أن المشكلة عامة.

شعرت في هذه اللحظة كما كنت أشعر وعمري 8 سنوات في البحر في الاسكندرية، والراية حمراء، والموج عالي، فتأتي الموجة فتغمرني فأطلع منها وأنا أشهق من عدم التنفس، وقبل أن أفيق من هذه الموجة تأتي الموجة الثانية فتغمرني، فأشهق وهكذا، إلى أن أرتمي منهكة على الشاطئ.

لقد أنهكني هذا الصول!

راكبة تقف خلفي قالت لزوجها “عندها حق، مفروض شركة الطيران تمرن هؤلاء الناس”.

وافقتها على ما تقول، ولكني كنت أرى أنهم يحتاجون لأكثز من تمرين، هم يحتاجون لدروس يشرح لهم فيها أهمية النظام، وأهمية التأسف عندما يغلطون، وأهمية احترام زميله الموظف. لا، قبل كل هذا، يجب أن يشرح لهم عملهم. لا أعتقد أن هذا الصول يعرف ما هو عمله. قيل له: “أنظر في جواز سفر الركاب، ودور على ختم الخروج”، ولكن لم يشرح له أحد أهمية عمله، والناحية الأخلاقية فيه، وأنه إذا وجد ابن عمه في الصف لا يدخله، وأنه عضو في منظومة تظهر صورة جيدة لمصر أمام السائحين، وأن له أن يفتخر بعمله لأهميته، إلخ..إلخ…

وهنا قالت شهرزاد: “الحق يقال أن ما حدث ينطبق على وظائف كثيرة. نحن لا نشرح جيدًا العمل لمن نطلب منه أن يقوم به، وإلى حد ما، الحق علينا، فلن أستسلم وأقول “ديه مصر ياعبلة”، ولكنني سأرسل هذه المدونة لشركة الطيران، عسى أن يعلموهم جيدًا”، وسكتت عن الكلام المباح.

د. سهير الدفراوي المصري

Leave a Reply

Your email address will not be published.